
كان من المفترض أن تكون الزيارة روتينية لا أكثر.
تفقد مجمّع الشقق الجديد، مصافحة سريعة، ثم مغادرة المكان قبل أن يعلو الغبار بدلته الأنيقة.
لكن في اللحظة التي خففت فيها السيارة سرعتها عند بوابة موقع البناء… توقّف الزمن.
ضباب رمادي كثيف كان يخيّم على المكان، وغبار الإسمنت يدور في الهواء تحت لهيب الشمس. وسط كل ذلك، برزت فتاة واحدة. نحيلة، سمراء من أثر الشمس، تتحرّك بإصرار صامت.
رغم الأوسـ.ـاخ التي غطّت ملابسها، كان في وقفتها شيءٌ انتزع الهواء من صدري.
همس السائق بقلق:
«سيدي… هل كل شيء على ما يرام؟»
لم أجب.
فتحت باب السيارة بعنـ.ـف، ونزلت دون أن أبالي بحذائي الذي غاص في الطين.
كانت شابة… شابة جدًا.
خوذة السلامة مائلة على جبينها، والسترة العاكسة تتدلّى على كتفيها النحيلتين، وهي تجرف الإسمنت الرطب تحت الشمس الحارقة. كان العرق يبلّل قميصها.
ثم أدارت رأسها ومسحت وجهها—
وهنا… انهار قلبي.
تلك العينان.
ذلك اللون الأخضر المستحيل.
نفس العينين اللتين كانت زوجتي تملكهما.
نفس العينين اللتين رأيتهما آخر مرة في وجه ابنتي «صوفيا» يوم اختفت في حديقة مزدحمة قبل عشرين عامًا… قبل أن يطلب الجميع مني التوقف عن البحث. قبل أن يقولوا إنها رحلت إلى الأبد.
صرخت بصوت متكسّر:
«أنتِ هناك!»
ارتجفت الفتاة وأسقطت المجرفة من يدها، ثم تراجعت بخطوات سريعة وعيناها مطأطأتان.
قالت بلهفة وخوف:
تابع باقي التفاصيل في الصفحة التالية رقم (2):




