قصص أطفال

إبن البهلوان..!

 


كان (سالم)،
بهلواناً بارعاً فى السيرك الصغير، يحسن القفز والمشى على الحبال وتسلق الحيطان،
وكان له حصان إسمه (فرهود)، بارع مثله فى البهلوانية، يجيد الرقص على نغمات
الموسيقى، ويحسن التوقيع بحوافره على الأرض الصلبة، ويتقن كثيراً من الألعاب
المضحكة، والحركات المثيرة…

وكان
لـ(سالمٍ)، ولد فى السابعة، إسمه (سويلم)، لا يحسن شيئاً من الحركات البهلوانية،
ولكنه يجيد تحصيل العلم فى مدرسته نهاراً، ويستذكر دروسه مساءاً…

وذات
يومٍ، مرضا (سالم) مرضا شديدا، أقعده عن العمل كبهلوان، ولم يجد أمامه سبيلا لكسب
قوت يومه، غير بيع حصانه (فرهود)، وبثمنه اتجه إلى عمل مشروع صغير، فاختار مكانا
ملائما بأحد شوارع المدينة بعد الحصول على تصريح من الحكومة، وأحاطه بدائرة من
الخشب، وجعل له بابا من الخلف، يدخل منه ويخرج، ونافذة من الأمام يعرض فيها بضاعته،
ثم جعل تحت النافذة نضدا، رص عليه الجرائد والمجلات والكتب، وعلى نضد آخر علب
للحلوى والألعاب، وجعل إلى جانب النافذة صندوقا مقفلا ليضع فيه ثمن ما يشتريه
العملاء من بضاعته، فلما فرغ من تركيب المتجر على هذا النظام، نظر إلى ولده، فقال
له مازحا، مزهوا:إننى يا(سويلم) مدير المتجر، وأنت مساعد المدير فى أجازتك الصيفية
من المدرسة، فهل تتقن عملك؟.

إبتسم
(سويلم) وتهلل وجهه، وأجاب والده بالموافقة…

وذات
يوم، مر صبى بالمتجر الصغير، فأخذ ينظر إلى الصحف والمجلات المرصوصة على النضد،
فقال له(سال): وعندنا حلوى أيضاً ولعب لطيفة.

ثم
لم يلبث أن تذكر أن علب الحلوى لم تزل فى الدار، فقال لسويلم: إنى ذاهب يا(سويلم)،
لأحضر علب الحلوى، فانتبه للمتجر، ريثما أعود.

ثم
فتح الباب الخلفى، وخرج…

ومر
بالمتجر رجلٍ، فأخذ صحيفةً من فوق النضد، ثم وضع ثمنها فى الصندوق، ومضى، وجاءت
سيدة، فانتقت مجلةً، ووضعت ثمنها فى الصندوق كذلك…

وكان
(سويلم) من نافذة المتجر يهز رأسه محيياً، فى حركةٍ لطيفةٍ، كلما وقف أحد أمام
النضد لينتقى صحيفةٍ، أو مجلةً، وسره أن العملاء كلهم أمناء مهذبون، فلم يحاول أحد
منهم، أن يأخذ صحيفة، أو كتاباً، بلا ثمنٍ، إذ كانوا جميعاً يأخذون ما يريدون،
ويضعون ثمنه فى الصندوق، فلم يتكلف مشقةً، أو يبذل جهداً، ساعد على ذلك، أن ما من
أحد من المشترين حاول أن يخدعه، أو يسرقه، وكانت كل البضاعة، مرصوصةً أمامهم على
النضد، كما كان الصندوق، الذى يضعون فيه ثمن المشتريات على مد أيديهم، فأغناهم ذلك
عن السؤال والجواب…

ومضت
ساعةً، ثم وقفت أمام النافذة سيارة صغيرة بها سيدة معلمة، فسألت (سويلم) عن مجلة
المعلمين، ولم يفهم (سويلم) سؤالها، ولكنه دفع إليها دون قصد إحدى المجلات
النسائية، فأخذتها دون أن تنظر إليها، ثم وضعت ثمنها فى الصندوق، وانصرفت مهرولة
بسيارتها…

ثم
وقف بالنافذة أحد رجال الأعمال، فسأل عن مجلة (الإقتصاد)، فدفع إليه (سويلم ) دون
قصد أيضاً مجلة(الرياضة)، فأخذها الرجل دون تصفحها، ودفع ثمنها، وانصرف على عجل كى
يلحق بالمينى باص…

ثم،
لم يلبث سالم، أن عاد، فسره أن المجلات والصحف، قد أوشكت أن تنفد، وأن صندوق الثمن
مثقل بما فيه من المال، فربت كتف (سويلم)، وهو يقول له: أحسنت العمل يا مساعد
المدير.

 ثم أخذ يرص علب الحلوى ولعب
الأولاد…

وكانت
السيدة المعلمة قد وصلت إلى دارها، فأخذت تتصفح المجلة التى اشترتها، فتبينت
خطأها، ولكنها رأت فى المجلة موضوعاتٍ ذات قيمةٍ عن زينة المرأة وفن التجميل وأحدث
الأزياء، فسرها أن تقرأها، ثم قالت لنفسها:(لقد أدى لى الولد، بائع الصحف، نفعاً
كبيراً، حين أخطأ بغير قصدٍ، فدفع إلى هذه المجلة، فقد كنت بحاجةٍ إلى من يذكرنى
بضرورة العناية بزينتى، بعد أن أهملت ذلك منذ زمنٍ)…

وأخذت
السيدة منذ ذلك اليوم تعنى بزيها وزينتها، فبدت أنيقةً، رشيقةً.

أما
الرجل الذى أخذ مجلة (الرياضة)، فقد غاظه فى أول الأمر أن يغلط البائع الصغير،
فيدفع إليه هذه المجلة، بدل مجلة (الإقتصاد)، ولكنه لم يلبث أن رأى فى المجلة
صوراً رياضيةً رائعةً، وأخباراً عن المباريات والرحلات وأماكن النزهة، فاشتاق إلى
التمتع بمثل هذه المباهج، وقال لنفسه:(إلى متى أدفن نفسى بين الأوراق وأخبار
الأسواق وحساب الأسهم والسندات، وأحرم نفسى مما أحل الله لى، من هذه المتع اللطيفة؟.).

ومنذ
ذلك اليوم، اعتنى الرجل بالرياضة وبالرحلات، فخصص لنفسه يوماً من كل أسبوعٍ،
يستمتع فيه برحلةٍ سعيدةٍ، أو رياضة مفيدةٍ…

ولم
تنس السيدة، ولا الرجل، هذا المتجر الصغير من يومئذٍ، فكانا لا يشتريان جريدةً،
ولا مجلةً، ولا كتاباً، ولا لعبةً من لعب الأطفال، إلا من ذلك المتجر الصغير…

ثم
لم يلبث (سالم)، أن صار من كبار التجار، كما صار (سويلم) من كبار الأدباء.

تمت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى